محمد أبو زهرة

635

زهرة التفاسير

وهكذا يذكر الله سبحانه دواء القلوب ، ويذكر داءها ، ليطب كل امرئ لنفسه بما يداويها ، وتطب الجماعة لنفسها باجتثاث الشر من بين ربوعها ، ونفى الخبث عنها كما ينقى الكير خبث الحديد . وهذا التداوي يقوم به فريق الخير الذي نصبه الله سبحانه حجة للحق ومنارا للشرع ، وهذا ما ترمى إليه الآيات الكريمات : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى آخر الآيات المذكورات . وقد ذكر الله سبحانه في هذه الآيات أن الناس فريقان : فريق الشر أهل النفاق ، وهم الداء ، وهم درن الأمة ، بل السرطان الذي يقضى عليها ، إن لم يجتث من أصله . والفريق الثاني ، وهم الذين يتولون العلاج وهم الأخيار الذين شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله . وقد ابتدأ سبحانه بذكر الداء ، ليعلم أهل الخير مقدار ما يبتلون به ، وقد ذكر صفات أهل الشر ؛ فكانت ثلاثة : أولها : حسن البيان والقول الحلو . وثانيها : كثرة الحلف الكاذب . وثالثها : اللدد في الخصومة . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هذه هي الصفة الأولى ، وهي أصل الداء القاتل وقوته ، فإن خلابة اللسان المنافق ، وقوة البيان الكاذب ، وحسن العرض للقول الباطل ، هي المعاول القوية التي يرفعها المبطلون لهدم الفضائل ؛ فهم بمعرفتهم بمأتي القول ومورده يثيرون الإعجاب بحسن تأتيهم ، وينالون الاستحسان العظيم بلطف مداخلهم ، أو بزخرف القول وزوره ، ويسترعون ألباب بعض أهل الخير الكرام ؛ فالمؤمن غر كريم ، والمنافق خب لئيم « 1 » .

--> ( 1 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن غرّ كريم والفاجر خبّ لئيم » . [ رواه الترمذي : كتاب البر والصلة - ما جاء في البخيل ، ( 1887 ) وأبو داود : كتاب الأدب - حسن العشرة ( 4158 ) ، وأحمد في مسنده ( 8755 ) ] . الغر : قليل الفطنة للشر لكرمه وحسن خلقه . والخب : الخداع الذي يسعى بالإفساد بين الناس .